محمد أبو زهرة

52

زهرة التفاسير

والوصفان اقترنا واجتمعا في البسملة ، كما اجتمعا في بسملة كتاب سليمان عليه السلام لبلقيس ، إذ قال تعالى : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) [ النمل ] وهذه بسملة كبسملة أوائل السور ، كما اجتمع الوصفان في آيتين أخريين من آيات القرآن ، ففي أول سورة فصلت ذكر للقرآن الكريم ، وقال سبحانه عن الذكر تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) [ فصلت ] وجاء في سورة الحشر هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) [ الحشر ] . ولا شك أن الوصفين من أسماء الله الحسنى وصفاته ، ولا شك أن لكل منهما معنى قائما بذاته ، منفردا به عن الآخر . يقول الزمخشري ( نقلا عن الزجاج ) : إن صيغة فعلان من الصيغ التي تدل على الامتلاء ، كغضبان ، وشبعان ، وسكران ، وجوعان ، فإنها تدل على الامتلاء من الفعل الذي اشتقت منه ، فكذلك الرحمن معناها الممتلئ رحمة ، ورحيم تدل على الاتصاف بالرحمة التي تليق بذاته العلية من غير امتلاء . ولذلك يقول الزمخشري ومن تبعه في دراساته البيانية للقرآن الكريم : إن « الرحمن » أبلغ من « الرحيم » ، وإن كان كلامه تعالى كله فوق الكلام البشرى وما ترى فيه من تفاوت ، وإن كان كله في أعلى درجات البيان لا يساويه بيان للإنسان . وبدراسة اللفظين في القرآن يتبين لنا الفرق بينهما في الاستعمال القرآني السامي في بلاغته إلى ما لا يتسامى إليه كلام بشر ، ولا يدانيه شئ من الكلام الإنسانى . وعند الاتجاه إلى استقراء الآيات القرآنية نجد القرآن الكريم جمع بين الوصفين في آيتين غير البسملة وقد ذكرتا ، وذكر وصف الرحمن منفردا في نحو ستين